
لا تزال قضايا المرأة وحقوقها من أكثر القضايا المثيرة للجدل، والصخب الاعلامي فقضايا كالعنف الاسري والممارسات اللا انسانية التي تتعرض لها بعض النساء تحظى بحضور قوي في الصحف ويفرد لها مساحة كبيرة ومتابعة دائمة لكشف المثير والجديد في الجانب المسكوت عنه لسنوات وكأن العنف الذي نرى قصصه في الصحف هو صنيعة اليوم وليس امتداد الأمس، فالأسرار التي تكشف والتفاصيل الشائكة والمؤلمة التي تروى ليست سوى صدى لآهات ألاف النساء اللاتي كتمت اصواتهن بكاتم الصوت الاجتماعي من خلال التخويف من الفضيحة والعيب،أوالديني من خلال تعزيز الراويات والنصوص الدينية المبتورة التي تصور للمرأة دورها محصورا في الطاعة.
فوضع المرأة منذ سنوات لم يتغير من ناحية الحقوق، ولكنه تغير من ناحية الوعي سواء من قبل المرأة أو الرجل وساهم هذا الوعي سواء الديني، أو الثقافي، أو الانساني، أو الحقوقي بتغيير الكثير من المفاهيم السائدة في العقل الجمعي وبالتالي أنعكست على الأفراد ووعيهم بكياناتهم والكيانات الأخرى المقابلة لهم والمتعايشة معهم، هذا الوعي حقق اهدافه بشكل نسبي فمع وجود فئة قبلت بالمرأة ككيان وشخصية مستقلة لا تزال فئة أخرى ترى المرأة في جلباب الرجل، وفئة ثالثة بين وبين.
المرأة التي تعيش في هذا المجتمع الذي يؤمن بعضه بحقها ويكفر البعض الأخر تجد بأن مطالبتها بحقها، وفضحها لما تواجهه من انتهاكات يحقق لها وقوف فئة من المجتمع معها وهو ما لم تكن تحضى به كثير من النساء سابقا فظهرت الكثير من القضايا والمشاكل التي لم تكن تظهر للعلن سابقا والتي لا تزال مؤسسات الدولة غير قادرة على استيعابها بالشكل الصحيح.
خلال أقل من أسبوعين تابعت قضيتين مختلفتين في التفاصيل ولكنهما متشابهتين في المضمون وقد غطتهما العديد من الصحف، الأولى قضية الأخوات الخمس اللاتي يطالبن برفع ولاية والدهن والأخرى لسيدة هربت من منزل زوجها بعد سنوات من تعرضها للعنف الفارق بين القضيتين هو وسيلة التعبير، ففي القضية الأولى كانت الوسيلة هي اللجوء للنظام من خلال القضاء، أما القضية الثانية فكان الوسيلة هي الهرب والأختباء كتعبير عن الرفض.
بالرغم من تقدم الوسيلة في القضية الأولى بمراحل واشواط على الوسيلة في القضية الثانية الا أن الحل قد يكون واحد في كلا القضيتين فالقضية الأولى قد تضل لسنوات في المحاكم في ظل عدم وجود مؤسسات تضمن الحماية والرعاية ما يشكل سببا في تراجع الكثيرات عن خطو خطوات مماثلة، كما أن الهروب في القضية الثانية قد لا يكون سوى ردة فعل يتم احتوائها وحلها بضمانات وبدون ضمانات من قبل الأهل والأقارب وحتى القضاة حيث لا توجد ضمانات تحمي المرأة من عنف الزوج حين يكون هذا العنف حق، فيتم احتواء الموقف واصلاحه واجهاض محاولتها في الدفاع عن حقها سواء بالهرب، أو بالمحاكم.
القضايا التي تظهر في الصحف ليست مختلفة عن كثير من القضايا التي تحصل في كثير من الأسر مع فارق الوسيلة بالرغم من أن العبرة ليست بالوسيلة وانما بما تفضي له هذه الوسيلة.
ما تحتاجه المرأة أي أمرأة حين تتعرض لعنف أو لأنتهاك هو وسيلة مضمونة تلجئ لها لأيقاف ما تتعرض له والحصول على حقها الطبيعي وحين تجد بأن هذه الوسيلة لا تحقق غايتها تصبح غير ذات جدوى وقد تؤدي لأنتكاسة فلا تعود تسأل عن حقها أو تطالب به وهو ما قد يحصل أن لم توجد مؤسسات تستوعب مثل هذه القضايا بحلول ناجعة في مقابل مؤسسات أخرى تعمل على ترسيخ ثقافة الحقوق المشتركة بين الرجل والمرأة وتعزز الاحترام المتبادل وتبشر بان بالمرأة انسان بشخصية اعتبارية مستقلة.
![]() |
![]() |
![]() |