» الملك: لن أتهاون أو أتقاعس عن قصر الفتوى على «كبار العلماء»   » عندما يقسم الأمير   » علي الأفضل والأعظم.. وكفى   » المرأة الكاشيرة... «وعقارب الساعة التي لن تعود بنا إلى الوراء»   » انهيار القيم انحدار لهاوية الضياع..   » المدينة: نجاة طفل سقط من الدور الثاني في مركز تسوق   » في السعودية: فرج نسائي بالخروج من أزمة البطالة عن طريق العمل في المراكز التجارية بوظيفة "كاشيرة"   » وَهْمٌ ونصوصٌ أخرى   » الأحسائيون في الكاظمية أواسط القرن العشرين   » ما وراء الثرى...؟!   » القدس والشيعة.. مواقف وتضحيات بطولية   » إدارة الوقت   » مصليات ومجالس المدينة تنوح بالبكاء في ليالي القدر العظيمة ومجلس الشيخ العمري يختنق بكثرة الحضور   » هيئة الاتصالات تحجب مواقع الفتاوى ومنها موقع قاضي نت   » 4 ملايين عانس في المملكة للسنوات الـ 5 المقبلة  
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
أخبار مختارة
763629
شعار الوحدة لا يكفي!
أيمن رجاء النخلي * - 6 / 3 / 2010م - 11:34 م

لعله لم يعد كافياً اليوم أن ندعوا للوحدة الإسلامية فقط, فالفتنة الطائفية سقطت وانكشفت أقنعت الغرب المزيفة أمام شعوب الأمة. هذا من جهة, ومن جهة أخرى فإن شعارات الوحدة لا تعني الكثير إذا كنا شعوباً لا تحمل قيم ومبادئ ومشروع مشترك. فالوحدة الجغرافية أو الوحدة الإسمية ليست هي العائق الحقيقي أمام نهضة الأمة الإسلامية, وكذلك هي لا تصنع التقدم والتغيير والإنتصار. فالوحدة بلا قيم حقيقية يلتزم بها الأفراد لا تعني الكثير.

الواقع مرآة القيم

إن الواقع الذي يعيشه الفرد, أو تعيشه الأمم, هو مرآة القيم التي يحملونها. فإن كانت القيم التي يحملونها في قلوبهم جيدة وحسنة, فإنّ واقعهم سيكون كذلك. وبالمقابل فإن كانت قيمهم التي يلتزمون بها هي قيم السوء والغش والمكر والخداع, فإن واقعهم لن يكون أحسن من بواطنهم.

إن من السهل على الإنسان أن يلقي باللوم (لمشاكله وظروفه) على الواقع الخارجي, ولكن هي بالأساس مرآة القيم التي يحملها هو, والتي تصنع أخلاقه وتصرفاته, والتي بالنتيجة تصنع واقعه. إن من الأفضل للإنسان الذي يريد أن يتقدّم أن يلقي دائماً باللوم على ذاته ويبحث عن أساليب تطوير ذاته وتغييرها, فذلك يقصّر عليه طريق التغيير والإصلاح لواقعه الذي يعيشه.

وكذلك فإنّ الأمم المتأخرة والمستغله من قِبل الأمم الأخرى يجب أن تلوم نفسها بالدرجة الأولى لكي تتغير وتتطور وتتقدم قبل أن تلوم القوى الكبرى المتغطرسة. إن الواقع السيء للأمم المنهزمة والذي يجب أن ندركه هو نتيجة القيم التي يحملها أفراد تلك الأمم.

إن واقع الأمّة الإسلامية المتأخر بين الأمم على مستوى كثير من الأصعدة يجب أن يجعلنا نشعر بالخجل من أن ندّعي بأننا مسلمين. فواقعنا لا يدلّ على أننا مسلمين ورساليين كما كان رسولنا الأكرم. فنحن محض التقصير واللامسؤولية تجاه هذه الرسالة السماوية العظيمة. وإنّه لمن المخجل أن ندعوا الأمم إلى الإسلام بأفواهنا, وننفرهم منه بأفعالنا أو بتقصيرنا.

إن واقع الأمّة الإسلامية الذي تعيشه اليوم هو مرآة القيم التي يحملها أفراد هذه الأمّة, ولا يمكن أن تتغير الأمة الإسلامية حتى تتغير القيم التي في الصدور, والله بكلّ شيءٍ محيط. وإن على المؤمنين أن يقوموا بواجبهم لإظهار دين الله ولتتطهر الأرواح وتُغسل عن قيم السوء والخداع والعصبية. وأن لا يتقاعسوا عن إقامة الدين. وإذا ما أضاءت القلوب بنور الحق وقيَم الدين, فسوف تشرق الأرض بنور ربها, إن الله على كلّ شيءٍ قدير.

نحن يجب أن نصحح القيم التي نعيشها أولاً, ونصحح واقعنا قبل أن نفكر أن ندعوا أحداً إلى الإسلام, أو أن ندعوا إلى مذهب على حساب مذهب آخر. إننا إذا ما عشنا القيم الإسلامية وحافظنا عليها, فإن واقعنا سوف يتحسّن شيئاً فشيئاً, وتخرج لنا الأرض بركاتها, وتهتدي الأمم إلى الإسلام لما يرونه من مبادئ وقيم حسنة لا يجدونها في أي دين آخر.

إنه تكليف عين على كلّ فرد أن يلتزم بوصايا الرسول الأعظم , وأن يمثّل الإسلام وقيمه الحقيقة في كلّ معتقداته وأفعاله.

ضعف القيم عائق التقدم

إن العائق الحقيقي أمام تقدم الأمة الإسلامية هو ذوبان المبادئ والقيم الإسلامية أمام الشعارات التي يتنافس بها المسلمون ويتصارعون عليها. والأكثر من ذلك, فإن النزعات والصراعات المذهبية هي مظهر من مظاهر الجهل الذي تعيشه الأمة وابتعادها عن قيمها وأخلاقها. وبدلاً من أن يتدارس الناس قيم الدين وحكمته, انشغل كثيراً منهم في نقاط الخلاف والتنافس بها. وهناك قنوات تروّج عن عمد لهذا الإنشغال بحالات الخلاف الديني عن الدين نفسه.

المسلمون مزّقوا قوّة الإسلام

إن التفاضل بين الفرق الإسلامية لا يعطي لأتباعها أفضلية إلا بالإلتزام بقيم الدين ومبادئه. إن أولى الناس بالإسلام هم الملتزمين بأوامره في السر والعلن, المتّقين الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنة. فأعمال الإنسان هي مظاهر إيمانه وصدقه, أو تكذيبه بالدين, يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية.

إن ما نعيشه اليوم من التصيّد والإنتقاد بين الفئات الإسلامية لتدّعي كلّ فئة أنها هي صاحبة الحق لتفوز بالقوة الدينية (أو الخلافة الإسلامية) لتسيطر على العاطفة الدينية عند المسلمين البسطاء, وتستغل طاقاتهم وأموالهم لأهداف دنيوية أو شخصية أو فئوية, فلا تحسبنهم بمفازةٍ من العذاب, إن الله خبيرٌ بصير.

إن القوّة الدينية, والتي تستمد طاقتها من إرادة الناس وإيمانهم وعواطفهم الدينية, يجب أن تكون لله الواحد القهّار, وللأئمة المصلحين في الأرض الذين يأمرون بالحق وبه يعدلون. فيجب أن يكون الدين كلّه لله ولإقامة دين الله في الأرض, وأن لا يكون وسيلة لتحقيق أي مصالح دنيوية, واتقوا مكر الله, والله خيرُ الماكرين.

هل الوحدة للكثرة

إن كثرة المسلمين اليوم لم تجعل منهم قوة تضاهي الأمم الشرقية أو الغربية. فالقوة للأمم التي تحترم الإنسان بالدرجة الأولى, وتحترم قيمها ومبادئها, وتعيش في منظومة متناغمة لتحقيق رسالة عليا. فالكثرة أو القلّة ليست هي الملاك, فكم من فئةٍ قليلةٍ هزمة فئةً كثيرة بإذن الله.

إن الإسلام ليس شعاراً فقط, بل هو معاني وقيم يعيشها الإنسان المسلم ولا يتنازل عنها. وإذا لم يحمل المسلم هذه القيم والمبادئ فهو لا يزيد الأمّة إلا ضعفاً. وإن من المؤلم اليوم أن نرى أناساً يتظاهرون بالإسلام ويغفلون عن معانيه ومبادئه, فظاهرهم لا يوافق باطنهم, كأنهم خشب مسنّدة.

الفتنة انتهت .. والفرقة سقطت

من جهة أخرى, فلقد تجاوزت الأمة الإسلامية ولله الحمد كلّ الفتن التي أريد بها الفتك بالوحدة الإسلامية وإشعال حروب طائفية بين أبنائها. فلقد بذل الغرب كلّ طاقاته ليستعدي المسلم على أخيه المسلم ولكنه لم يستطع لما جعل المولى عز وجل من ألفة وأخوّة مشتركة بين المسلمين, ولما شكلته أحاديث وتوصيات الرسول الأعظم من مناعة والتي حرّمت المسلم على المسلم عرضه ودمه وماله, , ذلك فضلُ الله والله ذو الفضل العظيم.

ورغم كلّ المؤامرات التي أحيكت ودبرت لإثارة الفرقة وحرب طائفية بين المسلمين, فإن كلّ تلك المؤامرات أصبحت هامشية ولا وجود لها على أرض الواقع, وانهارت أصنام الفرقة أمام الأخوّة الإسلامية, واندحر شيطان النزاع أمام الوعي الإسلامي المتزايد, والذي يزداد نوراً وإشراقاً.

ولقد أصبح جلياً أن الذين يستبيحون ويسفكون دماء المسلمين والأبرياء هم شرذمة مصطنعة لإثارة الفرقة, بل هم خوارج خرجوا عن رحم هذه الأمّة الرحيمة بأبنائها وبالإنسانية.

لقد حدثت كثير من الإختلافات والصراعات من بعد رسولنا الكريم, فاختلف الصحابة, واختلف أتباع الصحابة, ولا تزال الإختلافات قائمة بين المسلمين, وهذا أمر واقع مهما كان صعباً ومحزناً. ولكن اليوم فإن جميع المسلمين يطمحون لوحدة الأمّة الإسلامية وجمع كلمتها, ولو اختلفوا في أساليب ذلك. فالجانب الإيجابي من الصراع الطائفي هو أن البعض لا يريد أو لا يتحمل أن يرى اختلافات بين المسلمين ويتمنى أن يكونوا على مذهب وفرقة واحدة, فهو يحاول إلغاء الفرق الأخرى لأجل الوحدة الإسلامية. ورغم كل هذا الإختلاف الذي تعيشه الأمّة, فإنها أدركت أهمية توحيد الكلمة, وهذا هو بداية الإنتصار الكبير.

المشروع الإسلامي المشترك

لابد لكي تنهض الأمة الإسلامية, أن تملك مشروعاً مشتركاً تتكامل به الهموم والجهود. إن الوحدة في الحقيقة هي وحدة عمل مشترك, ومشروع مشترك, وليست وحدة إسمية بلا هدف ولا إستراتيجيات ولا رسالة مشتركة. إن الإسلام هو مشروع رسالي لإقامة القيم الصحيحة ودين الله في الأرض, وليس تصنيف بشري لتتمايز به الشعوب. إن مسمّى الوحدة الإسلامية بلا رسالة ولا هموم مشتركة, لا يعني الكثير, ولا يصنع التغيير في قلوب الأجيال الجديدة.

إن من أهم أسباب تقدّم الأمم كالصين واليابان أو تقدم أمريكا سابقاً هو وجود مشروع الأمّة الصينية ومشروع الأمة اليابانية, أو مشروع الأمة الأمريكية, وكما كان سابقاً مشروع الأمة الإسلامية. إننا نشهد اليوم تقدم للأمّة الصينية لا لكثرة العدد, بل للقيم التي يحملونها ويلتزمون بها, وهي التي تصنع واقعهم الخارجي من تقدم ومنافسة على مستوى العالم في مختلف المجالات.

نحن اليوم فقدنا مشروع الأمّة الإسلامية, فلا توجد أهداف وهموم مشتركة لشعوب وقوميات الأمة الإسلامية. وذلك لا يعني بالضرورة عودة الخلافة الإسلامية على حساب الدول الإسلامية الموجودة على أرض الواقع, ولكن من الممكن أن تتكامل إستراتيجيات الدول إلى إستراتيجية أمّة, ومن ثمّ تكوين الحلف الإسلامي الذي سوف يعطي جميع الدول الإسلامية القوّة والمنعة, ويشكل النواة الأولى لقيام دولة العدل الإلهي العالمية.

تحرير القدس أولاً

إن ما يعطي قدسية وأولوية لقضية تحرير القدس هو ما أولاها به المولى عز وجل في الكتاب العزيز, وركّز بأن انتصار المسلمين هو منوط بتحرير القدس. إن قضية القدس هي قضية مركزية مشتركة بين المسلمين قد لا تجد بقية القضايا مثل هذا الإتفاق عليها كقضية القدس.

هذا من جهة, ومن جهة أخرى, فإن شياطين الجنّ والأنس يريدوا ليحكموا العالم عن طريق القوة الدينية, ويعملوا على تشويه الدين الإسلامي, فلا بد للمؤمنين من تنزيه ساحة القدس من الأبالسة والشياطين, وأن يجعلوا الدين كلّه لله, إن الله عزيزٌ قدير.

إن على الشعوب والأفراد أن يحملوا همّاً مشتركاً ليحرروا القدس, ويحيوا القيم الإسلامية ويلتزموا بها, كلمة التقوى, ليكونوا أحق بها, يتجاوزوا بها خلاف بينهم, ويرفعوا راية دينهم, يحيوا شعائره, ويحملوا رسالته على أكتافهم. لا يتواكلون, ولا يتوانون, ويكونوا للخير أهل, إن أغفله الناس قاموا به, وإن تركوه, حملوا ثقله عنهم. ألئك أهلُ ولاية الله وخاصته وحامته, إدخرهم لدينه, وهداهم لاتباع رضوانه, فلا يسبقنّكم غيركم إلى دين ربكم وأنتم تتلون الكتاب, واتقوا الله إن الله سريعُ الحساب. 

كاتب من المدينة المنورة