
الإبداع النسائي يمثل النهضة الحقيقة في عملية التطور الحضاري لأي مجتمع، فلا يمكن أن يتكامل أي مجتمع ما دام هذا الامتداد الحضاري خاملا أو قاصرا على بلوغ الإبداع البشري، ولو أخذنا التاريخ البشري نلاحظ أن قمة الحضارة لأي مجتمع حينما تتفاعل جميع أطرافه بما يمثله وجوده من نمو ونهوض، والسؤال المطروح هل بلغ مجتمعنا العربي إلى حقيقة النهضة الشاملة والعامة والمقصودة؟.
للأسف الشديد تعتبر مجتمعاتنا العربية مجتمعات قاصرة في الكثير من جوانبها عن بلوغ الأهداف المرجوة لتحقيق النمو والتكامل الاجتماعي والحضاري، لعدة أسباب سياسية ودينية واجتماعية وهذا التخلف يؤثر سلبا على عملية النهوض الحضاري، ولولا أصوات هنا وهنا تنادي بالنهوض الحضاري، وهذا الأصوات تتحمل الكثير من الأعباء الاجتماعية والفكرية في سبيل النهوض بأمتنا العربية على وجه الخصوص، وأخص بالذكر هنا الأستاذة والكاتبة الشاعرة (أمل طنانة) فالمتابع لسيرتها المتنوعة والمتعددة أنها تحمل هما اجتماعيا يتخطى مجتمعها الصغير أي (لبنان) لتنتقل إلى العالم الأوسع بما يمثله عالمنا العربي من خلال الكثير من المقالات النقدية والهادفة، هذه النقلة لكاتبة استطاعت أن توجد لنفسها مكانة هامة في عدة مجالات فكرية وأدبية، برزت كاتبتنا كأدبية وشاعرة مرموقة لها اتجاها الشعري ولها ثقلها في عالم الأدب، وخاصة في باكورة أعمالها حيث أنتجت ديوانين هما:
1- الديوان الأول "هذا هو الحب"
2- اسم الديوان "هذيان في حمّى من الحبّ" تحت الطباعة.
لهما وزنهما كونهما يعبران عن مكنون ما تأمله المرأة من حضور وتفاعل لا نقول أنه يتنافس والرجل ولكنه دور مكمل للنهوض الحضاري فأنا أتصور أن الحضور النهضوي للمرأة في أي مجتمع يعبر عن نهوض حقيقي للمجتمع الذي تولد منه، وبالتالي يمثل إبداع وموهبة للمجتمع الذي تنطلق منه، وبالتالي يعكس تمددا حقيقيا للمجتمع العربي الكبير الذي يفخر بأي منتج بشري، خاصة في ضل مجتمعاتنا الذكورية الذي تحجم دور المرأة.
أمل طنانة الشاعرة
أنا لست هنا من أجل أن أكيل وابل من المديح لشاعرة متميزة، وإن كانت موهبتها الشعرية تستحق هذا المدح، ولكني مع الشاعرة الإنسان الذي يعبر عن خلجات عاطفية ونفسية وفكرية تنطلق من خلال روح ندية بالأحاسيس، وسنحلق مع الشاعرة من أبيات تعكس هذه الحالة الروحية من الحب والوجدان، تقول من قصيدة لها تحت عنوان "نوارة الروح":
يَسْتَنْطِقُ الْحُبَّ في صَدْري لِيُمْطِرَني
بَــوْحــاً بِـمُــقْـلَـتِـهِ، مُـلَـعْــثِـمـاً فــاهُ
الحب العاطفي الشامل الذي ينطلق من الوجدان والروح والقلب هو ليس شيء نتعلمه ولكنه شيء مفطور في قلب الإنسان الشاعر فهو كالمطر الذي يستنطق فينهمر بوحا، من فؤاد مليء بالأسرار فموطن الحب عندها كقلب مليء بالأسرار تقول في قصيدة عنوانها"أسرار":
"لا يا حبيبي فقـد مزّقـتُ خاطرتـي
هل يُنبْتُ العشقَ إلاّ كهـفُ أسـرارِ؟"
وفي عنوان آخر لها"ضمني بعد"تقول:
"والوجدُ في صدري لهيبْ
ذكرى وتَحنانٌ وطيبْ"
يمثل القلب والصدر مصدران لانطلاقة المشاعر الجامحة والأحاسيس الفياضة، فالقلب بما يمثله من موطن للتناقضات فهو موطن الخير الشر وموطن الحب الكره، وموطن الرضا والغضب، القلب المكان المقدس والمدنس، يمثل المحراب النهائي للشاعرة، فهاهم العرفاء والواصلون لا يتصلون بالحبيب المطلق بل لا يبلغون الغاية إلا من هذا القلب فما أعظم هذا القلب الذي يضم المتناقضات فيأسرها ويحكمها فهو الرحيم وهو الغضوب هذا القلب هو منبع الإحساس والإلهام لشاعرتنا الكبيرة، هو موطن الفرح والألم، ولشدة تفاعل الشاعرة بهذا الجزء من وجودها الملكوتي تكتب عنوانا خاصا يحمل عنوان " عزيز القلب"مطلعها:
عَزيزَ الْقَلْبِ هَلْ تُدْني وِصالَكْ؟
وَتُسْري في ظَما شَوْقي زُلالَكْ؟
هذه القصيدة تتفتق مشاعر فياضة وحزينة تنم عن قلب دافئ ووجدان مليء بالعاطفة الباكية، إذاً القلب عند الشاعرة يعبر عن مشاعر وعاطفة الحزن، بل قلما نجد للشاعرة ميلا إلى الفرح والسعادة، على العموم أغلب الشعراء الكبار يميلون إلى الجانب المحزن من القلب، فطبيعة الإنسان يتفاعل وجدانيا وحسيا وشعريا أكثر من الجانب المبكي عنه من الجانب المفرح، وهنا اختم بكائيات الشاعرة ببيت جميل لما يحمل من ثنائية تصويرية رائعة تحمل الكثير الكثير من المعاني والأسرار في قصيدة عنوانها\"لم تزل":
ضفّةٌ صدري وأُخرى في جُفوني
والهوى يلهو بسرِّ الضِّفَّتــينِ
فأي سر يبيت بين الضفتين، الجفون والصدر بما يمثله من جانب قلبي إنه البحر يحوي حوله ألف كلام، فأي سر تحمل شاعرة يحمل قلبها حبا لا تحوطه المعاني ولكنه عالم من الجمال ينبع كلمات وألفاظ شجية وجميلة.
![]() |
![]() |
![]() |